كريم نجيب الأغر
303
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
زمن « جمع الجنين » - سبعة أيام وما فوقها - ، فإن الحديث : « إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما . . . » يشير إلى زمن « جمع أعضاء الجنين » - أربعين يوما وما قبلها - . ومن الجدير بالذكر أن لفظ « يجمع » دليل آخر ، يضاف إلى الدليل الأول - لفظ « جمعه » - ، على أن خلايا الجنين تنفلق ، وليس هذا فحسب ، بل هو دليل على أن الانفلاق الذي ابتدأ قبل فترة « جمع الجنين » ، يستمر بعدها ، لتعود خلايا الجنين لتنتظم وفق أعضاء محددة . وكما رأينا سابقا فإن قالب الجنين يصب في مرحلة المضغة : فالأعضاء توجد وتتركب في هذه الفترة وإن لم يكتمل نموها بعد ، مما حمل العلماء الكونيين أن يسمّوا تلك المرحلة بمرحلة ( تكوين - أو خلق - الأعضاء ORGANOGENESIS ) وهذا موافق لما أعلنه رسولنا الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أحدكم يجمع خلقه . . . » منذ أربعة عشر قرنا ، فاعتبروا يا أولي الأبصار ! ! ! . وتؤكد الأحاديث النبوية الشريفة مرّة أخرى على أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أوتي جوامع الكلم [ أخرجه البخاري ح 13 ] ؛ ذلك أن تسمية هذه الفترة « بمرحلة جمع الخلق » أفضل من تسمية هذه الفترة « بمرحلة تكوين الأعضاء » ؛ حيث إن كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا المقام يشير ليس فقط إلى تكوين الأعضاء ، بل إلى العملية التي يتم فيها تكوين الأعضاء من خلال جمع الخلايا . إذا ما قارنا بين التسميتين : « مضغة مخلّقة وغير مخلّقة » و « تكوين الأعضاء » ، نجد أيضا أن التسمية القرآنية تتفوق على تسمية العلماء لهذه المرحلة تفوقا كبيرا : فالتسمية العلمية لا تشير سوى إلى العمليات الداخلية والخارجية للجنين ، حيث إن « تكوين الأعضاء » يشير إلى تخلّق أعضاء للجنين مع ما يصحبه من تشكل خارجي ، أما التسمية القرآنية فهي تشير إلى حجم الجنين ( صغير ) ، ومادته ( أنسجة طرية ) ، ومظهره الخارجي ( شكل قطعة لحم ممضوغة ) ، كما أنها تشير إلى تخلّق الأعضاء على صورة براعم أولية ( مخلّقة وغير مخلّقة ) على شيء من التدرج ( حيث إن التخلّق يلي عدم التخلّق ) . فسبحان من يبين لنا الآيات على ألسنة الناس ولو بعد حين ! أليس هو القائل : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ . . . [ الحج : 5 ] ؟ .